الشيخ محمد رشيد رضا
574
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عليها بها ويعدّه لشكرها فتجتمع له بذلك سعادة الدارين وقد اتسعت علوم بعض البشر بذلك فاستحوذوا على أكثر خيرات الأرض في بلادهم وبلاد الجاهلين بها الذين أضاع الجهل عليهم دنياهم ودينهم بالتبع لها ( 3 ) خلق اللّه الناس من نفس واحدة وخلق زوجها منها ليسكن إليها وإعداد الزوجين الذكر والأنثى للتناسل كما في الآية 189 وفي قصة جنة آدم ومعصيته وتوبته من الآيات 19 - 25 بعض صفات النشأة البشرية واستعدادها وحالها في سكنى الأرض ( 4 ) تفضيل اللّه تعالى للانسان على من في الأرض جميعا كما أفاده قوله تعالى ( 10 وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ، ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ) وبيان هذه المسألة بالتفصيل في تفسير سورة البقرة لأنها أوسع تفصيلا لما تقتضيه قصة آدم المطولة فيها والتصريح فيها بجعل آدم خليفة في الأرض ، وفي باب التأويل هنالك سبح طويل للأستاذ الامام رحمه اللّه تعالى لم يسبقه إليه أحد فيما نعلم فيراجع في الجزء الأول من هذا التفسير ( 5 ) خلق بني آدم مستعدين لمعرفة اللّه تعالى وإشهاد الرب إياهم على أنفسهم أنه ربهم ، وشهادتهم بذلك بمقتضى فطرتهم ، وما منحوه من العقل والفكر ، وحجته تعالى عليهم بذلك كما في الآيتين 172 و 173 فيراجع تفسيرهما ( في ص 386 - 404 ج ) وكذا خلقهم مستعدين للشرك وما يتبعه من الخرافات كما في الآية الثانية منهما والآية 190 ( 6 ) ضرب المثل لاختلاف استعداد البشر لكل من الخير والشر والبر والاثم وعلامة كل منهما فيهم وكونهم يعرفون بثمارهم ، وذلك قوله تعالى ( 57 وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً ) ، وفيه إرشاد إلى طلب معرفة الشيء بأثره ومعرفة الأثر بمصدره ، وفيه دليل على أن في الأشياء خبيثا وطيبا ، وجيدا ورديئا . ويؤيده حديث « الناس معادن كمعادن الذهب والفضة » إلخ وهو في الصحاح وغيرها ( 7 ) الكلام في إبليس وهو الشيطان وعداوته لآدم وامتناعه من السجود له ووسوسته له ولزوجه بالاغراء بالمعصية بالأكل من الشجرة وعاقبة ذلك . وهو في الآيات 20 - 23 وكونه من المنظرين إلى يوم القيامة ( 8 ) عداوة إبليس والشياطين من نسله لبني آدم وتزيينهم لهم الشر والباطل